رواية :موت آيلا


 

 

 


موت آيلا..

"مذكرات"

للكاتبة:أمَاني علي.

 

 

 

الإهداء والبداية:

 

إلى من رافقتني في أحلامي وصحوي ، إلى وجودي وانعدامي، إلى التي كانت جزءاً مني ومن ضوء القمر، إلى النور الذي شعَّ في حياتي ، إلى من كانت ولا زالت تسكنني .. آيلا!

 

فالآن أعتذر منكِ على بساطة لغتي ومصطلحاتي، اعذريني لأنني لم أكتب بشكلٍ يليق بك! أنا رجل يبثُّ أحزانه إليكِ منذُ وفاتكِ حتى وفاته!

       

                         مع خالص أحزاني زوجك المحب: إيبرا.

 

 

* آيلا: اسم إيرلندي يعني ضوء القمر.

 

 

 

 

 

 

 

موت! ثلاثة أحرفٍ فقط ومشاعرٌ كثيرةٌ من الرهبة، الميم:مأساة! و الواوُ:وحشة! والتاءُ: تشاؤُم!

هذا ما حصل لي يا آيلا بعد أن ودّعتِني ورحلتي بعيداً جدا وبلا رجعة ، أيقن تماماً بداخلي أنكِ ستعودين ذات يوم وستسمعين بكائي وحزني، لم يمرَّ موتكِ بسلام كأي شخص يا حبيبتي! لقد متِّ وماتت معك السماء ونجومها، والأرض وورودها، ماتت معك ورود الياسمين، مات الفرح ..  والأسوأُ من ذلك : متُّ أنا!

لا أعلم هل مضت سنة أم سنتين أم أكثر أم أقل على وفاتكِ فَـ مِن حينها وأنا أعيش كما أنا دون روح، جسدٌ فقط وعقلي مليءٌ بكِ ولا أنْفَكُّ مطلقاً عن التفكير بكِ. لا أعلم هل أنت سعيدة هناك بدوني!

إن المكان ما زال يذكرني بكِ ، حديقة المنزل الواسعة الخضراء المليئةُ بورودكِ ما زالت كما كانت! وجميع الألعاب التي كنا نشتريها لابنتنا التي لم تأتِ بعد، ولم يتحقق ما تمنيناه بأن تشبهكِ كساها الغبار. أما أنا فأشعر بأنني كتابٌ قد جفاه قرَّاؤه، أو كخرقة بالية والحزن ينهش قلبي.

أما بائع الشاي فهو فضّل اللحاق بكِ،وتلك الطيور التي كنتِ ترمين لها الحبوب في الصباح الباكر في الساحة العامة فقد هاجَرت منذُ رحيلكِ ، والسماءُ قد فاضت دموعاً كأنها عيناي حينما أتذكركِ، أنا لا أستطيع تخطي هذا الأمر،أصبحتُ غريباً لا أقابلُ أحداً ولا أخرجُ من منزلنا أبداً، أقلّبُ صوركِ وأقبّلها، أقرأ مذكراتكِ حتى صرتُ أحفظها عن ظهر غيب!

أفتقدكِ جداً، وأفتقدُ ذاتي التي فقدتُها منذ رحلتي عنّي، أصبحَت ملابسي رثّة ووجهي مُصفَر ، وروحي تبكي، وأنا أموتُ بعدكِ شوقاً وحنيناً وحزناً!

ماهذا الحال الذي وصلتُ إليه بعدكِ؟ لستُ إيبرا، ولستِ آيلا بقساوتك ورحيلك، ولم نعد كما كنّا،ولم نعد معاً!

ها أنا ذا أقلّبُ صفحات قلبي البائس دونكِ ، وأرسلُ لكِ حزني مذُ رحلتي.

أعلمُ انكِ لن تقرئيها أبداً، حتى إن دفعتُ عمري لتقرئيها، لكنكِ كما عهدتكِ عنيدة، ولايمكن أن تحُولِي عن رأيك، والآن ها أنتِ رحلتِ وذهبتِ وأبيتِ العودة إلى ديارنا لنكون كما السابق آيلا وإيبرا.

أعلمُ أيضاً بأنني أكثرتُ الحديث، لكنني أكتب وأفرِّغ مافي قلبي وغضبي على هذه الأوراق المسكينة! كأنني لا أستطيع أن أكمل حياتي إلا معكِ وبكِ. منذ موت بائع الشاي، وهجرة الطيور، وبكاء السماء، أدركتُ أن العالم أيضاً لم يكن ليكتمل لولاكِ، أصبحنا أنا والعالم ناقصيْن بدونكِ.

كما تعلمين فقبل بُعدكِ عني قد رحَلَت عني عائلتي وأنتِ تعلمين كم أنني قد بكيتُ على فراق أخي الذي كان أعز ما أملك، أنتِ وهو اتّخذتما قراركما بالرحيل دون أن تفكرا مالذي قد يحصل لي دونكما؟ ماهذه الأنانية!

أصبحتُ أجاهد نفسي وأحاولُ إقناعها بأنكما لارجوع لكما أبداً، لكن كيف أنساكما؟

كيف أنساكِ وصوركِ أمامي ورائحة عطركِ في أنحاء الغرفة؟

في هذه الفترة أصبحَ حبيبكِ إيبرا صاحب الـ29 عاماً وكأنه يبلغ السبعين من عمره، شيبٌ يكسو شعره من فرط التفكير، وهالاتٌ حول عيناه كغيمةٍ سوداء مخيفة، وقلبه لايقوى فراقك،  ولا على تصديق رحيلك عنه!

كم حاولتِ جاهدةً أن تجعليني أنجح في أي أمر من الأمور، والآن أخبرك بأنني نجحتُ في أمرٍ ما: الحزن على فراقك، لكن هل أنا من فَشِلَ في كل الأمور الأخرى؟ أم محاولاتكِ هي التي فشلت؟

والآن ياحبيبتي هل ستعودين ذات يوم؟ أم أنَّ قرارك بالرحيل كان نهائياً؟ أرجوكِ أجيبي على تساؤلاتي ولاتتركيني هنا أجُرُّ حسراتي، أعيدي إليّ قلباً تكسّر ومات حنيناً على فراقكِ ..عودي أرجوكِ، أرجوكِ!

 

 

قبل أربع سنواتٍ من زواجنا :

كنّا كالطائرين نُحلّق حباً ونهبطُ في عش بكائنا عند الفراق .. كانت الصدفة التي جمعتني بكِ غريبة جداً ،هل تتذكرين؟

في موقف الحافلات وضجيج المارة وصراخ المتأخرين عن أعمالهم بسبب الزحمة كنّا هناك ننتظر الحافلة تأتي لتقلّنا لكي نطلب لقمة العيش، كنتُ أراكِ يومياً ولم تنتبهي لوجودي حتى، فمضت شهران وأصبحتُ أستيقظُ فيهما باكراً، وقبل وصول الحافلة بساعة حتى لاتفوتني الحافلة أبداً، أو بـ الأحرى حتى لا أتأخر فتذهبين أنتِ ولا أراكِ..

لا أعلمُ ما الذي جذبني إليكِ؟ هل هو شعركِ الأسود بسواد الليل المنسدل على

كتفيك؟ أم أنها ابتسامتكِ التي تحط بي؟ لم تكوني بجمال عارضات الأزياء ولا بأجسامهن الممشوقة اللاتي نراهن على شاشات التلفاز ولكنني رأيتكِ كما لم أرى شخصاً آخر من قبل، ياترى ما الذي جذبني إليكِ؟ وأنا حتى لم أعرف الحب ولا الإعجاب من قبلكِ

؟ كنتِ تكتبين على الهاتف لكني لا أعلمُ لمن كتبتِ وابتسمتِ لكن شعور بشع غريب مرني، وأحزنُ كثيراً أنكِ لاتعلمين عمّا أكِنُّ لكِ من مشاعر...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اليوم الواحد والستون:

صعدتِ إلى الحافلة وكلك استياء ولم تكن ملامحُ وجهكِ كالمعتاد بل كانت ذابلة حزينة وأعترف وقتها أنني تمنيتُ أن أكون أي شيء بقربكِ حتى تُنَفّسين عن غضبك عَلَي لكن للأسف وصلتُ إلى مقر عملي، وبدأَتْ بي الأفكار وكتبتُ أول كلماتٍ كتبتها في حياتي:

 

حبيبتي ذات المزاج المتكدّر

أعلم بأني لا أقوى الفراقَ

وأمنع نفسي من الاقترابْ

فهل أقدر؟..

ياذات الوجه البائس الحزين

المتعكر..

أعلمُ أنني لستُ لكِ ولستِ لي

فهل أصبر؟

على أن تلتقي أعيننا

وتتشابك أيدينا

على العهد نبقى ونذكُر؟

هل نقدر على أن....

أشكُ بأننا نقدر

 

 

قاطعني إكمالُ كلماتي دخولكِ إلى المكتب.. هل كنتِ تتبعينني أم ماذا؟ وقفتُ في ربكة وخوف وحيرة من أمري، لماذا أتيتِ؟؟

ابتسمتِ وأعطيتني ورقة فقط دون أن أسمع صوتكِ..لم يكن لقاءً طويلاً فقط طلبتُ لكِ قهوة مُرّة وطلبتُ لي الأخرى، لا أخفيكِ أنني من محبين السكّر.. لكنني لم أذق قهوة حلوة كهذه المَرَة! كانت فقط عشر دقائق نرتشفُ القهوة وأنظر إليكِ في صمت، فمرت أبياتُ حذيفة العرجي يقول فيها:

"شكراً لأنكِ سِرتِ يوماً في طريقي

وبعثتِ بي رغمَ الظلامِ شروقي

ومنحتني أحلى لقاءْ

ثم انصرفتِ..

فليتنا

كنا لعشرِ دقائقٍ

قبلَ انصرافكِ أصدقاءْ"

انتظرتُ لأعود إلى المنزل لأفتح تلك الورقة وكلّي خوف ورهبة وأمل، هل ستبدأ قصة جديدة في حياتي؟ هل سيبقى هذا القلب عَطِشٌ وظمآن؟ ثمانِ ساعات حتى عدتُ إلى البيت جلستُ وبنفسٍ عميق فتحتها:

(إليكَ ياصديق الحافلة، لا أعرف أحداً هنا سواك ولا أحفظ من الأوجه غير وجهك ، وتختلفُ عليّ أشكال الناس يومياً وتتغير إلا أنت هاهنا ثابت! كل يومٍ أراكَ ولاتحسب أنني غافلةٌ عنك، بل أعرفُ محل القهوة الذي تمر به قبل صعودك إلى الحافلة، وأعرفُ مكان نزولك، وأعرفُ الكتاب الذي تحمله كل يومٍ بيدك، وأرى نظراتك لي، مما جعلني أنظر إليك خِلسةً فقط ).

*هذه الرسالة طلب لصداقتك لو سمحت.

المُرسل:آيلا.

كان اسمك آيلا، وكنتِ تهتمين لأمري ولم أنتبه أبدا! كيف لم أنتبه!! هل أعاتب نفسي الآن وأزجرها؟ أم هل أفرح لأنك ستكونين صديقتي؟ لا أعلم كيف مر ذاك اليوم، فَرِحٌ ومرتبك! هل أكتبُ لكِ رسالة أم أَءْتي وأواجهك وأقول بأنني أريدك، وكم أتمنى أن أسمع صوتك وكم أتمنى أن تكوني معي. أم هل أوافق على الصداقة فقط! أسئلة كثير في عقلي كيف سأتجاوز هذا الموضوع اليوم وماذا سأفعل! سهرتُ يومها كثيراً ونمتُ متأخراً ولم أذهب إلى العمل. استيقظت وهرعت إلى موقف الحافلة وأنتِ تنتظرين هناك لكن لماذا؟ هل تنتظريني أم ما الذي يحصل معنا؟

 

ركضتُ مسرعاً من المنزل وإذْ بك تقفين هناك بضع خطوات تفصلني عنك، توقفت قليلا لأستجمع نفسي، ابتسمتُ وتقدمتُ: أهلا آيلا.

-        أهلا يا ...

-        إيبرا.

-        هل أنتَ بخير؟

-        أنا بخير ولكن أنتِ ...؟

 

توقفت الحافلة، وركبتِ بها، ورحلتِ ولم ألحق بكِ. لا أعلم إلى أين ستذهبين، ولم تجيبيني على أي شيء!

 

 

 

 

 

 

الميم: مأساة.

هل أشعرُ بالأسى حيال موتكِ؟ كيف كان قلبك شجاعاً لهذه الدرجة أن تتركيني خلفكِ وتذهبي؟

ألَا تعلمين بأنني حاولتُ اللحاق بكِ أنتِ وأخي؟ أكلتُ حبوباً لأنتحر! ولكن فشلت وأحمدُ الله أنني فشلت!

كانت روحي تشتعل، تحترق، تنكوي، لبعدكِ عني! أحببتُكِ كثيراً حتى شعرتُ أنكِ أنا.. وأنا أنتِ، والآن فقدتكِ وفقدتُ روحي ياعزيزتي!

هل أنتِ تشعرين بالرضى على عذابي هذا؟ إنني أموتُ حنيناً لأرى نظرة واحدة من عينيكِ، أنْ أرى ابتسامةً واحدةً من شفتيكِ، أنْ أراك تتلونين كالكرز حين خجلكِ، وتلمعُ عيناكِ حياءً، أن أراكِ تجعدين شعركِ وتسدُلينه على كتفيكِ، أن أراكِ ترتدين الأزرق وكأنك غيمة، أو الأبيض كأنكِ ملاك، أو جزء من سحابه!

ماذا إن عُدتِ الآن؟ سأفرغ كل حزني عليكِ، وسأبكي كثيراً لأتوسلكِ كي لاتذهبي، لاتذهبي أرجوكِ عودي الآن..

أختنقُ كثيراً وأنا هنا مع ذكرياتكِ التي لا أستطيع نسيانها، لا أقدر أن أتجاوز هذا الأمر، صعوبة بالغة في نسيانكِ.

كانت تخبرني جدتي بأن من يموت يرانا من الجنة، ويصبح نجماً في السماء، فهل ترينني أتعذب ولا تأتين؟ بالطبع لا، لستُ هكذا مما جعلني أصدق أن كلام جدتي محضُ خرافة، لكنني لا أشك بأنكِ نجم في السماء وقلبي ...

 

 

 

 

 

الواو:وحشة.

وحشتي اليوم وحزني يذكرني بأول يوم تفارقنا بهِ وكنتُ غاضباً .. جداً أغضب حينما أراكِ تحدثين أي شخص حتى إن كان أخي! أغارُ عليكِ جداً وأتملككِ وأمتلككِ وأكملكِ وتكمليني ياملاكي ..

حينها كتبتُ (كلماتٍ) عن ظهر حبي لكِ: (فقط غضب) .. شعرتُ أن النار تشتعل في جوفي حينما رأيتكِ معه.. انتظرتكِ طويلاً على مقعد في حديقة الحي لكنكِ لم تأتِ، كنتُ سأخبرك كم أنني أحبكِ، وكم أنني أكره كل الأشخاص في حياتكِ غيري، وكل ماهو قريبٌ لكِ أكثر مني، لكنني أدركتُ لاحقاً انكِ تريدين قليلاً من الحرية فكتبت:

لن يسيطر عليكِ أحد

ولن يكون في قلبي أحدا

ضاعت مني الكلمات وأخذتُ كأس شاي من بائعكِ المفضل وكتبتُ:

لن يسيطر عليكِ أحد

ولن يكون في قلبي أحدا

لاهذا الانتظار ولا الشوقُ

ولاكأس الشاي الذي بردا

ذكراكِ لم تعد تعصف بي

ولا أنا بقيتُ بكِ مقيّدا

هل هذا هو حبكِ؟

انتظار طويل على هذا المقعدا؟

لن أنتظر هنا لحظة

وكأنكِ لم تكوني هنا أبدا

ولابرجٌ صار يصدُق معي

لاعذراء ولاجوزاء ولا أسدا

لا ليالي أكتوبر تذكرني بكِ

ولاحتى حبي الذي من بردكِ جمدا

لا أحبك، ولا أهواكِ وكرهتُ الحب

فهذا الحبُ زاد بيَ النكدا

لم أحسد حب أحدٍ

فكيف أصابنا الحسدا؟

أهديتكِ روحي وحبي

اعطيتك قلباً وجسدا

وفيتُ لك بكل الوعود

هل سيفي قلبكِ بالذي وعدا؟

لا أمس ولا اليوم عُدتِ

غبتِ دهراً فهل ستعودين غدا؟

مات هذا الحب وانتهى

فقدتكِ ولله أجري فالذي فُقِدا

لم أنل من هذا الحب عافية

بل زاد في عقليَ العُقدا

كم مددتُ يدي إليكِ حباً

ولم تمدي لي حتى يدا

التاء:تشاؤم.

تشاؤم وتشتت في عقلي، لا أستطيع التفكير بإيجابية مطلقاً، وكأنني خسرتُ كل شيء، أشعرُ بأنني أنا من مات وأنا من ضاع مني الشعور، لاشيء جيد هنا دونكِ يا زوجتي، ولاشيء جميل دونكِ ولا أحب اي شيء أبداً..

أتشاءم من كونكِ لستِ هنا، كأنكِ حجر الحظ لدي، أو ورقة اليانصيب الرابحة، أو أنكِ الرجوع إلى الوطن بعد الغُربة، أو كالفجر بعد الظلام، كنتِ جميلة جداً أنظرُ إليك وكأني أنظر إلى سرب من الحمام، أو إلى أميرةٍ من إحدى القصص الخيالية، رقيقة ونادرة كوردة جبلية، تهزك الرياح من كل جانب لتسقطكِ ولاتسقطي، كنتِ قوية جداً من خارجك ولكن في داخلك تقام حروبٌ وصراعات وانهيارات! من كان يظن بأن هذا الجمال يملك هذا الكم من الانهيارات؟ أو أن يظن أنكِ تملكين هذا الخراب في صدركِ؟

          لم أحبكِ أبداً لأجل شيء، أحببتكِ فقط وكأنك جزء مني وشيء يخصني أنا فقط، ولا أريد شيئاً غيركِ، ولم يسكن أحدٌ غيرك بين جوانحي، أنتِ فقط ..

لكنّه القدر الذي دار بيننا لكنني أتساءل الآن: هل لو أننا أكملنا كذبتنا بأننا أصدقاء، سنظلُ معاً؟ هل كان القدر سيجمعنا معاً ولم يفرقنا؟

حزنٌ ولوعاتٌ وتعبٌ شديد أعيشُ به هنا لوحدي، أفتقدكِ، وأشعرُ بأن هذا الأمر يحتلّني، أحبكِ جداً يا آيلا.

 

 

 

 

 

 

 

رجعتُ الى المنزل ونمت ولا أعلم كم استمر بكائي قبل نومي ..

"من قال لايبكي الرجال؟" هذه كلمات كريم العراقي، لكنها الحقيقة وليست فقط أبيات شعرٍ لشاعر، حينما يحب الرجل يصبحُ طفلاً، وكنتُ طفلكِ ولم ترأفي بي أبدا،ً بل كانت الرحمة أبعدُ ما يكون عنكِ، رغم أنكِ رقيقة لكن الرقة تلاشت الآن.

المكانُ هنا موحش وليس كما كان، وكساه الغبار والأرض متّسخة، والكتب والأوراق في كل مكان هنا.

أين لمساتكِ الناعمة في أرجاء المكان؟ واللون الأحمر المفضلُ لديكِ؟ اشتقتُ إليك جداً..

لم تجيبي على سؤالي : هل أنتِ بخير؟ رحلتي دون رد، تركتيني أفكر كثيراً، انتظرتكِ في موقف الحافلات لكنكِ لم تكوني موجودة، ولم تأتي الى هنا اليوم. زاد قلقي كثيراً لا أعرف كيف أتصرف في هذه المواقف أبداً، ولم أرد أن أوضح لكِ اهتمامي أكثر بعد أن جعلتِني أتُوهُ في أفكاري.

(تمرُ الساعات وكأنها دهرٌ من دونكِ)! تركتُ هذه الرسالة على المقعد ورجعتُ إلى المنزل بعد انتظار دام لأكثر من عشر ساعات! لا أعلم كيف انتظرتُ وتركت وراءي كل أعمالي التي لم أنهها لأجلكِ، أصب        حتُ لا أبالي إلا بكِ.

يا أيتها الوردة البيضاء.. كيف لكِ أن تكوني قاسية هكذا !

صحيح أنتِ وردة .. أوه الوردة! التي كنتِ تضعينها حينما دخلتِ إلى المكتب، سقطت منكِ وها أنا أحتفظ بياسمينتكِ إلى اليوم، ذبُلت الوردة لكن ليس لأنه حال عليها الزمان، بل لأننا افترقنا ولم نعُد معاً ياوردتي، أيقنُ تماماً أن جمالها لايُضاهي جمالكِ، وبياضها شيءٌ من بياض قلبكِ ياملاكي، ياضوء قمري. كنتُ أعوم واغرق في حبكِ دون أن تشعري، دون أن تنقذيني من الغرق، كنتِ تجعليني أسقط إلى الأسفل، لأغرق ولأهيم بكِ واعشقكِ.

 

 

بعد ثلاثة أيام:

لم أخرج من المنزل أبداً، ولم أذهب إلى أي مكان، كنتُ أغوص في حزني ولا أعلمُ لماذا؟ كنتُ أظنكِ سترحلين للأبد ولن أراكِ مرة أخرى... صوتُ الجرس!

فتحتُ الباب إذْ بي أراكِ تبكين! أدخلتكِ إلى المنزل وقدّمتُ لكِ كوباً من الشاي قلتِ وأنتِ تبكين:

- أعتذرُ لمجيئي في هذا الوقت من الليل ولكنني الآن وصلت ..

- من أين جئتِ وأين ذهبتِ؟ (قلتُها بصوتٍ عالٍ وكأنني أوبخك).

اشتدّ بكائكِ ولم أعرف كيف أتصرف، حاولتُ أن أعتذر لكن لم تخرج من بين شفتاي ولا كلمة، حاولتِ أن تُهدّئي من روعكِ إلى أن قلتُ:

- اشتقتُ إليكِ

كان هذا أول تصريح واعتراف بمشاعري لكِ، قلتِ بخجل:

- وأنا أيضاً، لكنني عدتُ إلى القرية بعد أن وصلني خبر وفاة جدي.

- أنا آسف لفقدانك.

كَلِمَتُكِ بأنكِ اشتقتِ إليّ أيضاً جعلتني أرتبك، قدّمتُ لكِ كأساً من الماء لتهدئي، فجلستِ تارةً تبكين، وتارةً تحكين لي عن قصص جدكِ ، حتى غفوتِ لأول مرة..أمام عيناي!

كم أحسد هذه الأريكة التي تحملكِ بين ذراعيها وأنتِ تتقلبين بينها، وكم أحسد هذه الوسادة التي تبسط لكِ يديها لتضعي رأسكِ عليها، وكم أحسد نفسي على هذا اليوم الذي جعلكِ حزينة حتى تأتي وتنامي أمامي، ليمُر الليل بِـ طولِهِ وأنا أراكِ وأتأملكِ أمامي!

 

 

 

مرت أيامنا فرحين جداً لكن لم يصرح أحد منا بمشاعره أبداً ولكننا كنا نموتُ حباً ونعشقُ بعضنا البعض حد الهيام!

جئتكِ في يوم من الأيام لأرى غيرتكِ، لأشعل قلبكِ حباً فقلتُ لكِ:

-وقعتُ

-أين؟

-وقعتُ في الحب يا آيلا.

كانت عيناكِ تتكلم بدلاً عنكِ كانت تلمع فرحاً

-من هي تلك؟

-فتاة لطيفة وجميلة جداً أسمها"رغد".

لملمتي دمعاتكِ وقررتِ أن تعودي إلى المنزل! يالغبائك ألا تعلمين أنني أحبكِ وأنني لاشيء دونكِ ولا حياة لي إن لم تكوني هنا؟

استيقظتُ صباح اليوم التالي وإذْ بي أرى ورقة مرمية تحت الباب ومكتوب عليها: "إلى إيبرا"، تفاجئتُ وفتحتها :

 (أعلمُ بأنك تحبني كثيراً لدرجة الجنون، وأثقُ أنه لايوجد في قلبك حبيبة سواي هنا.. لكنني أدركتُ هذا متأخرة جداً، لكنني أموتُ في حبك وأحيا بهِ إن لم تكن تعلم هذا! فأنا ضعيفة جداً أمام كلامك المعسول وأمام ابتسامتك وأمامك.. لكنني كتبتُ لك كلمات وأنا في شدة حزني على ما جرى البارحة :

 

 

 

 

 

 

كنتُ حبيبتهُ، معشوقته، وحلوته

وكان حبي الأبدي

فراغاتُ يديه لم يملؤها

يوماً سوى يدي

جاءني في يوم الفراق

مزعزع الفكر وتائه

القدمِ

والله إني وجدتها حبيبتي

حبها يسري في دمي

تبسمتُ أحسبه يقصدني

وألقى بكلمة أماتت جسدي

وجدتها رقيقة حلوة فريدة

"أحببتُ أنا رغدِ"!

آهٍ على حبي لك

عضضتُ أصابع الندمِ

كان حبناً مخلّداً

وتسفك من قلبي الدمِ

قال لا تكوني سخيفةً

فقصة حبنا لن تكون

اصْمُدي!

من وقتها كأنه قالَ

لشرايين قلبي تجمَّدي

تركتكِ من أجلها

ولأجلها سأتركك

بِتَعَمّدِ

أمَا كان حبنا أبدي؟

وفراغاتُ يديكَ؟

قطعتُ بعدها يدي ).

 

ضحكتُ كثيراً وفرحتُ أكثر بأنكِ تعرفين ذلك.. خففتي عليّ العناء كثيراً ولكن لا يجب أن أراكِ اليوم حتى أكلمكِ وأعرف أنكِ ستسامحيني على ذلك، ولاتوبخيني حين اللقاء فتحتُ الهاتف ولكنه استسلم وقرر أن يصاب بفقد للوعي، أعدته للحياة ووصلته بالشاحن حتى أهاتفكِ.. أخيراً عاد للحياة!

فتحتُ قائمة الاتصال:"وردتي" اتصلتِ قبل أن أتصل وكم كانت مفاجأة أننا نشعرُ ببعضنا البعض!

-أهلاً حبيبي

ماذا؟ هل أنتِ قلتِها؟ آهٍ ياحلاوتها منكِ

-أهلاً ءءء ..وردتي!

ضحكتِ بخجلٍ شديد:

-لا أعلم من أين تأتِ بهذا الكلام؟

-من عينيكِ!

أغلقتِ الهاتف فجأةً!! وكدتُ أشعر بنبضاتِ قلبكِ من هنا وكأنها إعصار أو به نوبةُ صرع..

تقابلنا في مقعد الحديقة الذي نسترجع به ذكرياتنا هناك ونضحكُ كثيراً،قطفتِ ياسمينة وأكادُ لا أصدق بأنك تحملين شيئاً ينافسكِ بالجمال أو أنتِ أشد منها جمالاً..

جلستِ بجانبي وعيناكِ تنظر لرذاذ سيجارتي فسحبتِها مني وقلتِ:

-أخبرني بشيء

-ماذا أخبركِ ياحلوة؟

-قصيدة أو كلام جميل تحت ضوء القمر هذا !

نظرتُ إليكِ ثم نظرتُ إلى السماء وإذْ بي أرى سحابة تلفُ القمر بينها فبدأتُ:

هل القمر خجولٌ أم كانت السحابة تغار؟

قاطعتني وقلتِ:أنا وأنت لكن أنا القمر!

-لاشك في هذا.

-أكمل هيا

أكملتُ:

هل القمر خجول أم كانت السحابة تغار؟

حتى لُفَّ القمر بينها واختفى؟

أم كانت الشمعة الحارقة ذات ليلٍ تنطفئ

أم نوركِ هو الذي انطفى؟

أخبريني عن أصوات الليل ماذا بها؟

أم هو بكائكِ أم هو طفلٌ ولد من رحم

نظراتكِ،فاحتفى!

إنَّ هذا الليلَ طويلٌ

ولا أقولُ لبعدكِ عني

سوى كفى

أغرقتِ الغريق بسيل حبكِ

ولما غاص في بحر عيناكِ

طفى!

أمَا كفى الآن؟ اقتربي إلي

فأنا لا أملكُ قلباً آخر

ليتحمل هذا الجفى

حقاً كفى .. حقاً كفى

 

عاد كلٌ منّا إلى منزله، ونمتُ نومة هنية جداً ومليئة بالحب والحماس، داهمتُكِ برسالة كتبتُ لكِ فيها:

"الجو هذا اليوم رائق، والسماء مُصحية، وقرصُ الشمس يلتهب ليشع بنوره على خصل شعري البُنية.. والأرض تنتفض لتُخرج أوراقاً لامعة خضراء والوردُ يتراقص مع نسمات الهواء.. ككل يوم أصحو وأتجولُ بين زهور الياسمين والأوركيد، وأذهبُ وأعود بينها كأنني أفتشُ عن شيء ما، وما أفتشُ إلا عن نفسي التي فقدتُها بين يديكِ.

أنا أكتبُ الآن إليكِ في هذه اللحظة لأخبركِ بأنني لم أقضِ ليلة أهنأَ من ذلك اليوم الذي أحببتكِ به، وأشعر بروحِ الحب تدبُّ في أعضائي دبيبُ الخمر.

لم أحسب مطلقاً أن كلمتكِ بلغَت مني مابلغت.. أو أنها ذهبتْ بي هذي المذاهب كلها، فوالله ياحبيبتي ما أحببتُ قبلكِ ولا بَعدكِ أحداً، وها أنا أجُرُّ كل الحب الذي في قلبي إليكِ.. ظننتُ حينها أن بين جنبي ذخيرة من الصبر أقوى بها على كلماتك العذبة، ولكنها اخترقت قلبي

رددتِ عليّ بعد رسالتي:

"لا أعلم كيف ومتى أحببتُك؟ فقط شعرتُ بأن قلبي ينبض بقوة وكأنه حصان يندفع في معركة، وكما في دين الحُب "لايجوز -لمن أحبَّا- الفراق" ولن أسمح بهذا أبداً

كنتُ أظنني وحدي من وقع بالحب! وكنتُ أظن أنك جلست على عرش قلبي ولم يهز ذلك بك شعرة حب، لكنني مخطئةٌ فكلانا نذوبُ ببعضنا، وعلى العموم (إن لم تكن لي فمن لي)؟

 

-أنا لكِ يا آيلا وأنتِ لي.

-أحبكَ جداً.

-أحبكِ.

 

 

 

 

 

 

 

 

أنا الآن ياعزيزتي أحاولُ نسيانكِ، وأفكر بالسفر لخارج هذه المدينة لأنساكِ حتى لا أرى أي شيء يذكرني أو يربطني بكِ ،ولا أريد ان أتذكركِ بأي شيء،

لكن الآن لا أعلم لمَ أصوات الشرطة تحيطُ بالحي؟ ولمَ أنتِ ملقاةٌ على الأرض ولمَ يداي ملطختانِ بالدماء؟

.

.

              بعدَ مُضِي خمس سنوات ..

.

.

 

 

خمس سنوات مرّت الآن ياحبيبتي، وأنا في مَصَحٍ عقلي، ولم تكن لدي فرصة لأكتب شيئاً، بسببِ أنّي مُصاب بمرض عقلي، وقد قال لي الطبيب بأني أنا من قتلكِ! بعد أن رأيتُكِ مع أخي!

لكن الغريب في الأمر أن أخي مات قبلكِ؟

هل هو جنوني الذي سيطر علي؟ الآن حانت ساعة الموت، والحكم علي بالأعدام ..

 

أحبكِ

 

 

 

 

 

 

 

" تصحيح لمذكرات إيبرا"

أهلاً أنا صديق إيبرا المقرب ولن أذكر شيئاً عني، بل سأوضح مذكراته التي كان يقول لي بأنه سيجعلها كتاباً ليُخلّد حبه هو وآيلا.

كان إيبرا مضطرباً من صغره، ولكنه كان لا يُظهر هذا، كبر إيبرا في قرية صغيرة مع جده الذي توفى عندما كان يبلغ الحادية عشر فقط! مما أدّى إلى اكتئابه وحزنه.

لم يكن إيبرا يتحدث إلا معي رغم تصرفاته المجنونة والغريبة، حتى دارت به الأيام وأحبَّ آيلا، لكن الحقيقة أن آيلا لم تبادله الحب ورفضت فكرة الارتباط به حتى زاد حزنه وغضبه، فأصبح يتخيلها في كل مكان حتى ضعفت قوته، ومات أمله بلقاءها، حتى كان يتخيلها بأنها زوجته، وأنهما يعيشان أفضل قصة حب على الإطلاق! لكن للأسف لم يحصل هذا أبداً!

كان أخوه التوأم في الجيش لكنه لسوء الحظ قُتِل في إحدى المعارك!

لكن بجنون إيبرا كان يتخيل أن آيلا تخونه مع أخاه، لكنها رحلت منذُ زمن بعيد ولكن كل هذا حصل في عقل إيبرا بأنه قتلها.

بعد الإجراءات والأبحاث تقرر بأن إيبرا مُصاب باضطراب عقلي والآن يقضي ماتبقى من حياته في ذلك المَصَح.

وداعاً صديقي إيبرا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شكر خاص :

لعائلتي الداعمة دائماً وأبداً:أمي، أبي، وإخواني.

لصديقاتي وحبيباتي ..

لكل من آمن بموهبتي ودعمني ..

لكل من شجعني على الكتابة ..

 

 

                                                                 انتهى

                                             24 من شهر الله المعظّم: رمضان 1440

                                                            29-5-2019 ..

                                                             6:27 صباحاً ..

شارك الموضوع
تعليقات
  1. انا اؤمن انك افضل كاتبه بالعالم كله

    ردحذف
  2. إلى كاتبتي المفضلة ...
    أتممت اليوم قراءة أول رواياتك بعد ما ادمنت على ابياتك وخواطرك ... عظيمةٌ أنتِ و عظبمةٌ هي كتاباتك . أعجبتني النهاية الصادمة التي فاجئتني ، فاحداث قصة الحب جميلة و شعرت بأنني أحد اطراف العلاقة . و على الرغم من انتظاري النهاية بأنفاس مكتومة ونبضات قلب متسارعة الا أن النهاية كانت مأساوية لقصة حب لم يكملها الّا طرفها الأول . استمري و لا تجعلي قلمك يتوقف عن الكتابة ....

    ردحذف

إرسال تعليق

تعليقك مهم بالنسبة لي يسعدني ان اتلقى اقتراحاتكم الجميلة